بيان افتتاحي

أيها الأصدقاء،

نرجو أن تتلقوا خطابنا لهذا اليوم ، و كما كان الحال منذ نشأة حزبنا خاليا من أي دلالات الشعبوية و الديماغوجية، و أن لا يكون يمت بصلة للغة الخشب التي عاثت فسادا في مجتمعنا. أكثر من أي وقت مضى بات من الضروري الحفاظ على خطابنا المباشر ، المسؤول و الواضح من أجل إعادة نسج و تدعيم أواصر الثقة مع مواطنينا لاسيما في هذا الظرف الخاص الذي تعيشه بلادنا.

دون مفاجأة و كما سبق و أن تنبأنا به، الشعب الجزائري بغالبيته العظمى أدار ظهره لمشروع تعديل الدستور المصاغ و المقترح بطريقة أحادية من طرف النظام لهدف واحد هو التجدد و الإبقاء على نفسه. تترجم نتائج هذا الاستفتاء و دون أي غموض رفضا للنظام بأكمله بل و رفضا لكل المسار السياسي و المؤسساتي الذي تمت مباشرته ابتداءً من 22 فيفري 2019 من طرف النظام ، و تعبر في نفس الوقت و بكل وضوح عن تطلع شعبي عميق لا يتزعزع نحو التغيير و إقامة دولة الحق و القانون ، دولة ديمقراطية و اجتماعية و التي هي في صميم مشروعنا السياسي منذ نشأة حزبنا في 1963 .

إن الحكم الشعبي الصادر يوم الفاتح من نوفمبر يرسم القطيعة و يعيدنا إلى تفسير واحد و وحيد ألا و هو رفض منظومة الحكم و رفض قاطع لتأييد السلطة في مسعاها الأحادي و التسلطي في تسيير شؤون البلاد ، و أي تبرير آخر لهذا الامتناع الشامل لن يكون إلا مصادرة للحقيقة و هروبا نحو الأمام. تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة النظام السياسي الذي يرفض للجزائريات و الجزائريين حقهم الغير قابل للتصرف في تقرير مصيرهم الفردي و الجماعي .

إنها أزمة سياسية جوهرية تتطلب حلا سياسيا و ليس إعادة هيكلة قانونية و مؤساساتية بغية رسكلة النظام التسلطي.

كم من دستور تعاقب على البلاد ؟ كم من رئيس دولة ، كم من مسؤول خلف بعضهم بعضا على رأس البلاد دون أن نشهد ولوج عهد النظام الدستوري في بلادنا. لم تعرف البلاد لا دولة الحق ، لا سيادة القانون، لا الفصل بين السلطات، لا احترام حقوق الإنسان و الحريات، لا المساواة أمام القانون و لا استقلالية القضاء… إلخ .

إن إنكار هذه الحقيقة و كأن شيء لم يكن ، بالاستمرار بحكم البلاد بالقوة و باستخدام القمع و الافراط في ذلك، و باستحضار كل أساليب الإخضاع الموجهة للمواطنين لن يزيد الأزمة إلا تعقيدا و سيؤدي بالبلاد لا محالة نحو التعفن و نحو المجهول.

الأزمة الإقتصادية و الإجتماعية الغير مسبوقة التي تترصدنا و الوضعية الصحية المقلقة جراء ديمومة و تفاقم جائحة كوفيد 19 تزيد الأمور حدة.

كل المؤشرات تشير إلى الأحمر. إقتصاد شبه مشلول، تراجع رهيب في المداخيل، عجز كبير في الميزانية ، ودين عام كبير ، وتخفيض مستمر لقيمة العملة الوطنية ، والنسيج الصناعي والشركات التي تواجه صعوبات ، وتفشي البطالة ، وانعدام الأمن الاجتماعي الذي يتزايد ، إلخ.

وفي مقابل ذلك ، فإن خطة الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، التي وُضعت دون إجماع ودون نقاش واسع ومعمق ، لا تقدم رؤية واضحة المعالم قادرة على حل هذه الأزمة هيكليًا وتقديم الحلول اللازمة للتعامل مع هذا الوضع.

أمام هذه المعاينة التي لا يمكن إنكارها، المنطق يفرض مباشرة مسار سياسي شامل، من أجل تحويل ثورة 22 فيفري 2019 إلى مشروع سياسي يحفظ الوحدة الوطنية، و السلامة الترابية، و يكرس السيادة الشعبية و الوطنية.

يجب على النظام أن يعترف بإخفاقه، بدون أن يبحث عن حيل وهمية أخرى أو عن أعذار، و أن يستخلص الدروس من التصويت الأخير لافتتاح مسار سياسي هادئ و سلس يؤدي إلى تغيير النظام و إعادة الحقوق إلى الشعب و الإتاحة له بكل حرية و ديمقراطية التصرف في مستقبله.

اليوم أكثر من أي وقت مضى، الجزائر بحاجة إلى حل سياسي ديمقراطي و توافقي يفضي إلى ميثاق سياسي وطني يجمع كل القوى الحية في المجتمع و يضع أسس الدولة الوطنية التي سينخرط فيه الجميع.

سيستمر الأفافاس في النضال لصالح مسار تأسيسي الذي محوره الأساسي يهدف إلى إعادة بناء مشروع سياسي يحفظ الوحدة الوطنية، السلامة الترابية، الطابع الجمهوري للدولة، إرساء دولة القانون، الفصل بين السلطات، مشروع يكرس ممارسة السلطات المضادة، يضمن السيادة الشعبية و الوطنية و الحريات الفردية و العامة.


و حتى لا يكون كل ما سلف مجرد كلمات محبوسة في صفحات، يجب أولا إطلاق مسار سياسي حقيقي، بمراحله، بتطوراته، و بكل الضمانات التي يجب أن ترافقه.

الأفافاس يعرب عن استعداده للانخراط إلى جانب القوى الوطنية و المواطناتية، من أجل مخرج سياسي يعيد الاعتبار للدولة الوطنية و يكرس الديمقراطية السياسية، الاقتصادية، و الاجتماعية.

كما يحذر الأفافاس من محاولات و مناورات أخرى تهدف لصناعة حلول خاطئة و التي هدفها الوحيد ربح المزيد من الوقت لأنه سلوك كهذا من شأنه تقويض الانسجام الوطني و رهن بصفة نهائية مستقبل البلاد. حانت الساعة للاختيار بين الجزائر من جهة و نظام يمثل تهديدا حقيقيا على استمرارية الدولة الوطنية من جهة أخرى و بين المصالحة التاريخية أو انفجار الأوضاع.

إنه الوقت الأمثل لطي صفحة الانقلابات و المرور بالقوة. إن مسارا سياسيا و حوارا وطنيا حقيقيا و شاملا مع مجموع القوى و الشخصيات السياسية في مناخ من التهدئة و الانفتاح السياسي و الإعلامي وحدهما من يسمح للبلاد الخروج من هذا المأزق التاريخي أكثر من أي وقت مضى الأفافاس مصمم على متابعة نضاله لتحقيق هذا الهدف بالشروع في بناء ميزان قوى مناسب للتغيير.

و بالمناسبة فإنه سيكون أحد المحاور الأساسية التي سنتناولها خلال الاتفاقية السياسية الوطنية التي نطمح إلى تنظيمها إن سمحت الظروف بذلك شهر ديسمبر القادم.

الاتفاقية السياسية الوطنية هي استحقاق بالغ الأهمية في حياة حزبنا و حياة البلاد. ستسمح ببدء نقاش ديمقراطي لصياغة مشروع سياسي حقيقي لبلادنا. سيخص هذا النقاش مجموع المناضلين و المتعاطفين ، بالإضافة إلى الشخصيات السياسية، المثقفين، و بشكل أوسع المواطنين الراغبين في الإسهام في أشغال هذه الاتفاقية.

سيكون الهدف هو جمع كل من يرغب بتغيير سلمي، ديمقراطي و منظم. في الشق الداخلي للحزب.

أي آفاق تنظيمية للأفافاس ؟

نفسها ، التي رسمت من طرف أسلافنا و على رأسهم الراحل حسين آيت أحمد : الانفتاح و التجمع ( الوحدة ) ، ثم بعد ذلك توفير الشروط اللازمة لعقد المؤتمر السادس للحزب يكون سياسيا و موحدا مرة أخرى و دائما و من على هذا المنبر نوجه نداءً للمناضلين لرص الصفوف من أجل تشريف الإرث السياسي و الأخلاقي الذي لا يقدر بثمن و الارتقاء حتى نكون وفق مستواه و وفق تقاليد الأفافاس العريقة و المتمثلة في النقاش الحر و احترام قواعد اللعبة الديمقراطية .

يجب علينا أن نجعل اختلاف الحزب و تميزه و تفرده عن غيره محترما و يتمثل ذلك في تجنب الممارسات التي لا نتوقف عن إدانتها لدى السلطة و أذنابها.

آمل أن تلقى هذه الرسالة لدى الجميع ، سواء كانوا داخل هيئات الحزب أو خارجها و الذين سيعرفون كيف يتجندون و يجتمعون في كنف الأخوة و الصرامة من أجل بناء حزب قوي، موحد و عصري.

شكرا لكرم إصغائكم

من أجل جزائر موحدة، قوية، ديمقراطية و متضامنة.

الجزائر ولدت من رحم الإرادة الشعبية، ستقاوم، و ستنتصر عن طريق الإرادة الشعبية