السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني،
السيد الوزير الأول،
السادة و السيدات أعضاء الحكومة و الطاقم المرافق،
زملائي النواب،
أسرة الصحافة،

أزول فلاون، السلام عليكم،

تتزامن مناقشتنا لمخطط عمل الحكومة مع تاريخ تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ضحية انقلاب، و كذا تأسيس جبهة القوى الاشتراكية. الأولى ساهمت في تحرير البلاد و الثانية في بعث النضال الديمقراطي التعددي في الجزائر.

أربعة و خمسون سنة بعد، شهداء الأفافاس و مجاهديه ينتظرون الاعتراف بهم، و سنقترح مشروع قانون للمرة الثانية، و نتمنى أن لا يرفضه مكتب المجلس، كما رفضه من سبقه، فعوض هذا وصلتنا أخبار عن ترشح عبد المالك أملو، المجرم الذي اغتال المحامي و المجاهد و رفيق درب حسين آيت أحمد، علي مسيلي بباريس في 1987، للانتخابات البلدية القادمة في قائمة أحد أحزاب السلطة، هذه تعتبر جريمة كبرى في حق دولة القانون.

السيد الرئيس،   

لا يمكن أن تتحقّق التنمية و لا الرفاهية عندما تكون الثقة بين الحاكم و المحكوم منعدمة، و عندما تكون دولة القانون محبوسة في النصوص و غائبة في الممارسات المؤسساتية، و هذا ما يهدّد استقرار البلاد، و يعرض الوحدة الوطنية إلى الخطر، و قد علّمنا تاريخنا الحديث ذلك بألم.

فلولا افلاس سياسات النظام القائم أنذاك على الحزب الواحد، لما خرج شباب أكتوبر 1988، و لما دخلت البلاد في دوامة العنف و الدم و الدمار لمدة 10 سنوات كاملة.

الأزمة، أولا وقبل كل شيئ، أزمة سياسية، يعني أزمة ثقة، أزمة تسيير، أزمة حوكمة، أزمة منظومة حكم، الدليل الصارخ عن هذا هو أنّنا موجودون اليوم هنا لمناقشة مخطط عمل حكومة “أويحي” ثلاثة أشهر فقط بعدما صادق مجلسنا على مخطط عمل حكومة “تبون”، الذي كان يلفظ بنفس الألفاظ و نفس المصطلحات و نفس الطموحات فيما يخص تنفيذ برنامج الرئيس و تعزيز الاستقرار و بعث الاقتصاد الوطني و و و.

لو كان الاستقرار في قلب مشروع النظام لبدأ بتكريسه داخل النظام ذاته.

و كلّ ما عشناه في الثلاث أشهر الأخيرة، صورة معبّرة عن عدم استقرار القرار داخل أركان الدولة و مؤسساتها.

في شهر ماي الماضي أمضى سلال على قرارات، في جوان ألغاها تبون، ثم أتى أويحي وألغى قرارات اتخذها تبون. هل من الممكن، بعد كل هذا، أن يصدق المواطن قبل المناضل، والإطار قبل العامل البسيط، والمسؤول في هياكل الدولة قبل المنفّذ، أن هناك نظرة استراتيجية ومنهجية لمعالجة الأزمة الاقتصادية؟ هل من الممكن حلّ الأزمة الاقتصادية بدون تجنيد المجتمع والفاعلين الاقتصاديين و الاجتماعيين و القوى السياسية ؟ و هل يمكن التجنيد في غياب الثقة ؟ و أيّ ثقة ممكنة بين الحاكم و المحكوم، بين المواطن و مؤسساته، لما ممثلي الشعب يصوتون على مخطط عمل حكومة ثلاثة أشهر بعدما صادقوا على مخطط آخر، و صفّقوا و هنّئوا و ثمنّوا…أليس هذا الأسلوب في حدّ ذاته ضرب على الحائط للصدق و المصداقية في الأداء السياسي؟

أيضنّ أصحاب التحالف الرئاسي أن السرّ، كل السرّ، يكمن في الكلمات السحرية الواردة في برامج الحكومات المتعاقبة، وعددها 19 منذ 1999، والتي تنصّ على أنّها تعمل على تنفيذ برنامج الرئيس؟

السيد الرئيس،

في الحقيقة، نحن في “الأفافاس” مقتنعون بأن الحكومات المتعاقبة همّها الوحيد هو استمرار النظام، بينما الأزمة الحادة تقتضي أن نجد اجماعا وطنيا يضمن استمرارية الدولة من خلال بناء مؤسسات والعمل على تقويتها وجعلها في خدمة البلاد والمجتمع ولا في خدمة العصب و اللوبيات.

إن التأكيد أن كل مخططات عمل الحكومات تهدف إلى تنفيذ برنامج الرئيس، مهما اختلفت التدابير المتخذة واختلفت حتى أساليب رؤساء الحكومات، تجعل من الرئيس الشخص الوحيد الذي يملك الحلول السحرية. والغريب في الأمر أن نجد نفس النظرة التبسيطية للأزمة المتعددة الأبعاد عند الذين يطالبون فقط برحيل الرئيس كحلّ سحري للأزمة.

نحن في “الأفافاس” مقتنعون بأنّ الدّولة أكبر من الرئيس، وأكبر من الحكومة، وأكبر منّا كلّنا، وأن طوال الأزمة، تعقّدها والتهديدات المدمّرة التي تحملها، تهدّد استمرارية الدولة وتسرّع في انهيار البلاد.

نحن في “الأفافاس” نقول أن الأزمة حقيقية تتطلب حلول حقيقية، و الحلّ هو بناء اجماع وطني حقيقي شامل و جدّي، لذا يجب التوقّف عن تسيير “الستاتيكو” الراهن… و هذا ما تفعله الحكومات منذ عقود.

إن الأزمة كانت حاضرة عندما لجأت الجزائر إلى إعادة جدولة ديونها الخارجية في تسعينيات القرن الماضي، وكانت الأزمة حاضرة في زمن البحبوحة المالية، هذا المصطلح الذي استعمل باسم تنفيذ برنامج الرئيس، والذي استقطب كل من هب ودب من صعاليك الاستيراد والرشوة والفساد من كل أقطار البلاد والعالم فأصبحت الجزائر تذكر في المحاكم بإيطاليا وأمريكا وحتى في البليدة، والأزمة مازالت قائمة في زمن التمويل غير التقليدي. و الغريب أن مكافحة الفساد و فصل السياسة عن المال ليست من أولويات الحكومة الجديدة.

السيد الرئيس،

فيما يخص الأزمة الاقتصادية بالتحديد، يمكن قول الكثير، لكن سنكتفي الآن بالإشارة إلى أن الأغلبية التي تسيّر البلاد منذ 1999 فشلت و لم تنجح في تغيير طبيعة الاقتصاد الوطني الذي بقي حبيس الريع النفطي.

إن إرادة تنويع الاقتصاد، التي يتغنى بها المخطط الجديد، كانت قبل اليوم ومنذ سنوات عدّة، من الأولويات المعلنة عنها من طرف النظام بالخطابات و الوعود الرنانة التي لا أثر لها في الواقع.

أما فيما يخص آلية التمويل غير التقليدي، فهذا النوع من التمويل المعتمد به حين نرفض اللجوء إلى الاستدانة الداخلية والخارجية، ونمتنع عن تخفيض النفقات العمومية، فإن خبراء الاقتصاد، الذين اعتبرهم السيد أويحي كمنظرين أكاديميين، يختلفون في الرأي لكن الكلّ يتّفق على الأخطار التي تهدد الاقتصاد باللجوء لهذا النوع من التمويل.

فكيف لنا هذه الجرأة بمقارنة اقتصادنا الهش باقتصادات قوى عظمى كالولايات المتحدة و اليابان و بريطانيا العظمى بينما المقارنة تكون أصح بفينزويلا و اليونان.

في حالة الجزائر، فإن استنفاد احتياطيات صندوق ضبط الإيرادات منذ فبراير 2017 و بعد فشل  القرض السندي، و فشل الامتثال الضريبي الطوعي، أجبرت الحكومة إلى اللجوء إلى التمويل غير التقليدي كحلّ لاختلال ميزان المدفوعات.

كيف نثق في إجراء وهو في حد ذاته وليد إخفاقان اثنان للحوكمة وهما  الفشل في جلب أموال “الشكارة” لوضعها في البنوك، و فشل اجراء الامتثال الضريبي؟

التخوف يكمن في تعديل قانون النقد والقرض، الذي يشكّل خطرا كبيرا على الاقتصاد الوطني في غياب كل آليات الرقابة الفعلية.

ماذا ستموّل الحكومة عبر هذا الإجراء؟ هل ستمول ميزانية التسيير التي ارتفعت بسبب سياسة كارثية انتهجتها الدولة لشراء السلم الاجتماعي و السلم لدى زبانية النظام ؟

السيد الرئيس،

نحن في الأفافاس مقتنعون بأن الثروة المستدامة يجب أن تكون ثمرة لثلاثة شروط: أن تكون شاملة، أن تكون نتيجة لفائض اقتصادي منتج وليس ريعي، أن تؤدي إلى نمو متوازن و قوي يتكون من جميع العناصر الإنتاجية للأمة.

إن الضن بأن حل الأزمة الوطنية يكمن في الوثيقة التي قدّمها لنا الوزير الأول و النقاش الذي دام ثلاث أيام في مجلسنا، هو استخفاف بالمسؤولية، بحدّة الأزمة، بالوضع، بالشعب.

لو أن رجال القرار في هذا النظام استثمروا في ثلاث أشهر التي ضاعت بين حكومة تبون و حكومة أويحي و فتحوا أبواب الحوار الجاد من أجل الخروج باجماع وطني حقيقي يصون البلاد و العباد و يبثّ روح وطنية و أمل شعبي و يضع الثقة التي لا يستطيع أي اقتصاد أن يستغنى عنها.

لو كرّست هذه المدة، التي استهلكت في حملات إعلامية التي زادت من الإحباط لدى المجتمع و فقدانه الثقة في قدرة الحكام على تسيير أمور البلاد، لو كرّست في تنظيم نقاش وطني حول طبيعة الأزمة بمشاركة كل الفاعلين الاقتصاديين و الاجتماعيين و السياسيين و المختصّين، لوصلنا اليوم إلى وضع خارطة طريق حول سبل الوصول إلى هذا الاجماع الذي تفتقد له البلاد.

فكفى من الاستكبار في ممارسة المسؤولية.

فكفى من الاستخفاف بهذه البلاد التي استشهد من أجلها مليون و نصف مليون من خيرة أبناءها، وشهداء الديمقراطية وضحايا الإرهاب.

إن تعنّت السلطة و أحاديتها في اتخاذ القرارات، احتقارها للتشاور والضبط المؤسساتي والقانوني في اطار دولة القانون الحقيقية، هي السبب الأساسي للمآسي الماضية و الحالية.

لنقتصد من المآسي القادمة.

لنستبق، للمرة الأولى، لنتفادى للبلاد إخفاقات جديدة.

أنتم الوحيدون من سيتحملون المسؤولية عنها.

الجزائر كبيرة، و هي أكبر من البريكولاج الذي تقترحونه كبديل و كسياسة اقتصادية.

عاشت الجزائر

المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار